إعداد المستشار
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
انتشرت في الآونة الأخيرة دعاوى كثيرة ترد السنة ولا تعمل بها، بل قد تجرأ
البعض ورد العمل بالواجب واقتحم المحرم بدعوى أنهما قد وردا في السنة، فاختلط
عليهم الأمر في حتمية الأخذ بالسنة كمصدر من مصادر التشريع، ولنا مع هذا الفرق
الوقفات الآتية:
أولاً: مصادر التشريع:
للتشريع الإسلامي مصادر عدة منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه،
فالمتفق عليه منها:
1- الكتاب (القرآن).
2- السنة.
3- الإجماع.
4- القياس.والمختلف فيه باقي الأدلة.
5- الاستحسان.
6- المصالح المرسلة.
7- سد الذرائع.
8- العرف.
9- شرع من قبلنا.
10- قول الصحابي.
11- الاستصحاب.
والسنة مثل القرآن في الحجية أي: في الاحتجاج بما ورد بها، فقد صح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان
على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم
فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع».
[رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني]. وفي رواية أخرى: «ألا وإن ما حرم
رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله».
ثانيًا: السنة كمصدر من مصادر التشريع:
1- تعريف السنة لغة: الطريقة سواء أكانت محمودة أم غير محمودة.
2- تعريف السنة اصطلاحًا: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول - غير
القرآن - أو فعل أو وصف أو تقرير، والقول؛ كأحاديثه التي قالها في مختلف
الأغراض مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل».
[رواه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الجامع 385]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة».
[رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم واليبهقي وصححه الألباني
في صحيح الجامع برقم 3172]
والفعل: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من أفعال مثل أداء العبادات، فقد صلى
النبي صلى الله عليه وسلم فتعلمنا منه كيفية أداء الصلاة، وحج وتعلمنا منه
كيفية أداء الحج.
والوصف: كوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان جوادًا، أو أنه كان أشد حياءًا من
العذراء في خدرها.
والتقرير: كفٌّ عن الإنكار، والكف فعل، فما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم مما
صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره أو بموافقته وإظهار
استحسانه، فيعتبر بهذا الإقرار والموافقة عليه صادرًا عن الرسول صلى الله عليه
وسلم ومثاله إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على قوله في
مجلسه: «من قتل قتيلاً فله سلبه». [رواه البخاري]. وإقراره صلى الله عليه وسلم
عمرو بن العاص على التيمم من الجنابة في وجود الماء وذلك خشية الهلاك إذا
اغتسل.
3- منزلة السنة من الكتاب:
أ- من حيث الاحتجاج بها: والرجوع إليها لاستنباط الأحكام الشرعية فهي من الكتاب
في منزلة ومرتبة واحدة من حيث تحليل الحلال وتحريم الحرام، قال صلى الله عليه
وسلم: «أوتيت القرآن ومثله معه».
ب- من حيث ثبوت الأحكام: فالسنة مع الكتاب من حيث دلالتها على ما فيه وعلى غيره
على ثلاثة أنوع:
النوع الأول: سنة مقررة ومؤكدة، فهي دالة على الحكم كما دل عليه الكتاب مثل
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». [رواه أحمد
وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7662]، فإنه موافق لقوله تعالى:
وَلاَ
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[البقرة: 188].
النوع الثاني: سنة جاءت بيانًا لما أريد بالكتاب، كأن تفصِّل مجمله، أو توضح
مشكله، أو تقيد مطلقه، أو تخصص عامه، أو تنسخ حكمًا ثبت به.
أ- فمن السنة المبينة لمجمل الكتاب: الأحاديث الواردة في بيان كيفية الصلاة
والحج ومقادير الزكاة وأنواع المعاملات كحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وحديث: «خذوا عني مناسككم». [رواه مسلم]، فالصلاة والأمر بها جاء مجملاً في
القرآن، وكذلك الزكاة والحج وبينته السنة.
ب- ومن السنة الواردة لتوضيح ما أشكل فهمه: تفسيره صلى الله عليه وسلم الخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى:
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[البقرة: 187] بأنه بياض النهار وسواد الليل.
جـ- ومن السنة المخصصة للعام: قوله صلى الله عليه وسلم: «القاتل لا يرث». [رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 4436]، فقد خصص العموم الوارد في قوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّـه فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الأُنْثَيَيْنِ
[النساء: 11].
د- ومن السنة المقيدة للمطلق: قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما أراد أن يتصدق بثلثي ماله... لا، قال: فالنصف، قال: لا، قال: فالثلث. قال: الثلث والثلث كثير. فقد قيدت قوله تعالى
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا
[النساء: 11]، فالآية بينت أن الوصية مطلقة في كل المال والسنة قيدتها بالثلث.
هـ- ومن السنة التي وردت ناسخة لحكم ثبت بالكتاب: على قول من يجوز نسخ الكتاب بالسنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». [رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع 7570]، نسخت قوله تعالى:
إِنْ تَرَكَ خَيْرًا
الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ
[البقرة: 180].
ثالثًا: الأحكام التكليفية:
ذهب جمهور الأصوليين من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن حكم التكليف ينقسم
إلى خمسة أقسام هي:
1- الإيجاب: وهو طلب الشارع الفعل على سبيل الحتم والإلزام بحيث يثاب فاعله
ويعاقب تاركه.
2- الندب: وهو طلب الشارع الفعل على سبيل الترجيح لا الإلزام بحيث يثاب فاعله
ولا يعاقب تاركه ويطلق عليه السنة.
3- التحريم: وهو طلب الشارع الكف عن الفعل على سبيل الحتم والإلزام بحيث يثاب
تاركه ويعاقب فاعله.
4- الكراهة: هي طلب الشارع الكف عن الفعل على سبيل الترجيح لا الحتم والإلزام
بحيث يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
5- الإباحة: هي تخيير الشارع للمكلف بين الفعل والترك دون ترجيح لأحدهما على
الآخر ولا ثواب ولا عقاب.
تنبيه: قد يظن بعض الناس أن كل حكم يأتي من السنة هو سنة، أي: مندوبًا أو مستحبًا،
وهذا فهم خاطئ بان خطؤه عند الكلام عن السنة كمصدر من مصادر التشريع، فالسنة قد
جاءت بها أحكام واجبة مثل وجوب صلاة الظهر والعصر والعشاء أربعًا والمغرب
ثلاثًا والفجر اثنتين، وقد جاءت بها أحكام مندوبة أي مستحبة أو سنة مثل السواك
للوضوء، وجاءت بها أحكام تفيد الحرمة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حرم لباس
الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم».
[رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3137]
وأحكام تفيد الإباحة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان فأما
الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان: فالكبد والطحال». [رواه ابن ماجه وصححه
الألباني في صحيح الجامع برقم 210] وغير ذلك.
ومن ثم فعلى المرء ألا يتعجل في الحكم على كل ما جاء من السنة بأنه سنة وإنما
ينظر إلى حكمه ويحاول أن يلتزمه أو يجتنبه على حسب ما جاءت به، والله الموفق.