الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد
فإن موسم الحج من أعظم المواسم المباركة التي تفضل الله بها على عباده لتذكيرهم بربهم، وتنبيههم من غفلتهم، والرجوع إلى دينه، والتمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، وإقامة ذكره، وتعرُّف المسلمين على إخوانهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، وفي ذلك جمعٌ لشمل المسلمين تحت راية واحدة، وتوحيد كلمتهم على الحق، وإظهار عزتهم ومنَعتهم، وإعلاء شأنهم
وفي بقعة مطهرة غالية على نفس كل مسلم، يتشوق لزيارتها، وفي موسم مبارك هو موسم الحج، موسم الوفاء، ومن فضل الله على عباده أن هيَّأ لهم رجالاً يقومون على خدمة هذا البيت العتيق، وزوَّاره من أنحاء المعمورة؛ وقد كانت أنصار السنة المحمدية ضمن وفود خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه ، وقد ظهرت الجهود المباركة لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وعلى رأسها معالي الوزير الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، حفظه الله، وصاحب الجهود المباركة وكيل وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور عبد الله اللحيدان، وفي مكتبه بمخيم استضافة ضيوف خادم الحرمين الشريفين، حيث كانت زيارتنا له، وحول جهود المملكة لخدمة ضيوف الرحمن وعلاقة المملكة بأنصار السنة على مرّ العصور منذ عهد جلالة الملك عبد العزيز، رحمه الله، وحتى الآن
وقد سعدت مجلة التوحيد بلقائها مع فضيلته؛ حيث دار الحوار التالي
تسخير الجهود لخدمة ضيوف الرحمن
فضيلة الدكتور عبد الله اللحيدان، بداية نتقدم إليكم بأرق وأسمى كلمات الشكر على ما تقوم به حكومة خادم الحرمين الشريفين في خدمة ضيوف الرحمن؛ لذا نرجو من فضيلتكم التكرم بإلقاء الضوء على جهود خادم الحرمين في خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف الرحمن
الحمد لله رب العالمين، وبعد فإن الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومنطقة المشاعر المقدسة منى ومزدلفة وعرفات ، تحظى باهتمام كبير وبالغ، وعناية دائمة من لدن حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله؛ حيث سُخِّرت كافة الإمكانات المادية والبشرية لتطوير وتوسعة الحرمين المكي والنبوي بحيث يستوعبان أكبر عدد من المسلمين، الذين يتوافدون عليهما على مدار العام، من أجل التيسير عليهم عند أدائهم مناسك الحج والعمرة، وكذلك الزيارة
وبجانب ذلك حرصت القيادة في المملكة على أن تكون منطقة المشاعر المقدسة في أوج تطورها؛ حتى تكون مكانًا سهلاً وميسرًا لضيوف الرحمن أثناء وجودهم فيها؛ وقد وصلت تكلفة تلك المشروعات التي نُفذِّت خلال السنوات القليلة الماضية إلى ما يزيد عن مائة مليار ريال سعودي؛ خدمة لضيوف الرحمن، وتيسيرًا عليهم .
الضوابط الشرعية تواكب جهود خادم الحرمين لراحة ضيوف الرحمن
إن الخدمات التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة تمتد لفترة طويلة، ومن أبرزها ما قام به عام هـ عندما كلفه الملك فهد رحمه الله بعد حريق منى الكبير بدراسة هذه المشكلة التي تكررت عدة مرات، ووضع حلول نهائية لها
والحقيقة أنه حفظه الله استدعى عددًا من المسئولين المعنيين، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي وزير الشئون البلدية والقروية في ذلك الوقت الأمير متعب، وقال لا بد أن يُوضع حل جذري ومتكامل لهذه المشكلة، وبالفعل تضافرت الجهود بقيادة خادم الحرمين الشريفين ولي العهد آنذاك ، وحُلت المشكلة بشكل جذري ونهائي، وكان الملك عبد الله حريصًا أثناء طرح الحلول أن يكون ذلك وفق ضوابط الشريعة؛ حيث كان مهتمًا بالناحية الشرعية، وأن يكون الحل ضمن الضوابط الشرعية، كما هي عادة حُكام هذه البلاد حفظهم الله
وبالتالي استقر الأمر والرأي على بناء الخيام، وعلى نفس شكلها نزولاً على رأي علماء الشريعة من مواد جديدة غير قابلة للحريق، ومثل هذه المواد كانت مكلفة جدًّا، ولكن الحمد لله الدولة السعودية تتمتع بموارد مالية كبيرة، وبالفعل نُفذ المشروع والحمد لله خلال ثلاث سنوات، والآن استفاد الحجاج من هذا المشروع وقد نُفِّذ مع هذه الخيام مشروع بنية تحتية متكامل من خيام، وأنفاق، ومياه، وصرف صحي بطريقة تتحمل ملايين البشر؛ بحيث لا يحصل أيّ تراكم أو مشاكل أخرى، أو ما إلى ذلك
وتم وضع بنية تحتية قوية وصلبة جدًّا؛ لأنه من الصعب أن تجد هذا الكمّ الهائل من البشر في مساحة كهذه في أي مكان من العالم، كما أنه من الصعب أيضًا أن يتم إنشاء هذه البنية التحتية في مكان آخر من العالم فهي مدينة لا يسكنها أحد من البشر، ولكنها خلال ثلاثة أو أربعة أيام يسكنها ثلاثة ملايين، ومن الممكن أن تحدث مشاكل في المياه والصرف الصحي، والاتصال والكهرباء، ولكن الحمد لله المدينة مجهزة بكل الإمكانات، ولم تحصل أية مشاكل لاحقة
ثم بعد أن تولى الملك عبد الله مقاليد الحكم وفقه الله كان من أول ما أمر به تظليل الساحات المحيطة بالمسجد النبوي، والمعروف أنه قد نُفذت أكبر توسعة للمسجد النبوي في أيام الملك فهد رحمه الله، وهي تعادل أضعاف المسجد الأصلي، وأيضًا هُدمت كل الأحياء القديمة، وقامت عليها عمارات حديثة، وإن شاء الله الحرم المكي سيصير كذلك من خلال توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله
وكذلك من أهم المشاريع التي قام بها توسعة المسعى، وهو بناء جديد، وهدم الساحات الشمالية؛ ليكون هناك متسع، وتكون هناك عمائر أفضل لحجاج بيت الله الحرام، وخلال السنوات القادمة ستشهد المنطقة المركزية للحرم نقلة كبيرة جدًّا بإذن الله
والحقيقة أن الملك عبد الله حفظه الله حريص جدًّا على خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة الحجاج، وليس هذا بمستغرب على حُكام المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله ، وهم الذين سخروا كل قدرات هذه الدولة لخدمة الإسلام والمسلمين.
يستوعب الحرم المكي أكثر من خمسة ملايين زائر فـي اليوم الواحد
فضيلة الشيخ المشاريع في الحرمين الشريفين وفي المشاعر المقدسة لا تتوقف، فبعد توسعة المسعى سمعنا عن توسعة المطاف ومشاريع أخرى، كيف ترون ذلك؟
لا شك أنه من الضروري أن يتم دراسة هذه المشاريع النافعة، إذ إنه بعد إقامة جسر الجمرات الجديد أصبحت الجموع تُنهِي الرمي بشكل سريع، فبالتالي سيكون هناك ضغط على منطقة الحرم، وكان الأسلوب القديم يتسبب في نوع من التفويج الإجباري للحجاج؛ بحيث لا يتوافدون على الحرم إلا على دفعات، لكن خلال سنوات قليلة سينتهي مشروع القطار الذي ينقل الحجاج بسرعة كبيرة من عرفات إلى منى، ومن ثَم سينقل الحجاج بسرعة إلى الحرم، الذي لا بد أن يستوعب أكثر من خمسة ملايين شخص خلال اليوم الواحد، وهذا يعني أننا لا بد أن نزيد القدرة الاستيعابية في الحرم خلال الساعة الواحدة، والحمد لله في هذه البلاد كوادر هندسية، وقيادات إدارية انتبهت منذ البداية لعملية التعليم، كما يوجد شباب مؤمن في ظل هذه القيادة الحكيمة يستطيع أن يحقق هذه الأمور، وهذه الطموحات، والمملكة العربية السعودية لن تنفذ مشاريع إلا وفيها مصلحة ظاهرة للمسلمين؛ تسهِّل حجهم وأداء نسكهم، وفي نفس الوقت تكون متوافقة مع الشريعة، وهذا هو الشأن في كل المشاريع التي تمت في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة .
حكومة المملكة مجندة لخدمة ضيوف الرحمن
أرجو أن تحدثنا عن توصيات الملك عبد الله بن عبد العزيز للعاملين في خدمة الحجاج، وأنتم تترأسون برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين؟
بالنسبة للبرنامج فهو يشكل مؤتمرًا مصغرًا للحج؛ لأنه يضم مندوبين من كل بلاد العالم الإسلامي ودول الأقليات؛ فكأنه عينة انتقائية، فإذا كانت منطقة منى تجمع الحجاج من كل أقطار الأرض؛ فإن برنامج خادم الحرمين الشريفين يجمع مندوبين أو نخبة منهم بشكل مصغر؛ لكي يلتقوا في مساحة صغيرة جدًّا، وهذا البرنامج مهم جدًّا، ودائمًا الملك عبد الله يوجِّه أن تكون البرامج والخدمات التي تقدمها الدولة على أعلى وأفضل المستويات، ولا يقبل حفظه الله الخطأ أو التقصير في مثل هذه الأمور، وهو حفظه الله يتابع هذه الأمور، ولا يكتفي بالتقارير الصحفية، أو ما إلى ذلك، بل يريد معرفة الأمور على أرض الواقع، وحرصه هذا انعكس على جميع المسئولين في الدولة من نوابه ووزرائه ووكلاء هذه الوزارات، فكلهم جند مجندون في خدمة الإسلام والمسلمين بشكل عام .
علاقات أنصار السنة المتميزة مع المملكة
العلاقات المتميزة بين جماعة أنصار السنة المحمدية وبين القيادة في المملكة العربية السعودية، وهي علاقات دعوية بحتة، هل تلمسون في الفترة الأخيرة تغيُّرًا في هذه العلاقة إلى الأفضل؟
المملكة العربية السعودية دولة إسلامية، وأعلنت أنها تطبِّق الشريعة، وتدعو إلى الله، والمملكة العربية السعودية تتعاون مع الجمعيات الإسلامية التي تدعو إلى الله على مستوى العالم، وتربطها بها علاقات ودّ؛ لأن المملكة تعتبر أن تلك المؤسسات والهيئات تنفِّذ أهدافًا وواجبات مشتركة وهي الدعوة إلى الله ولذلك فإن المملكة العربية السعودية تدعم جميع الجمعيات والاتحادات الإسلامية في العالم
وعندما تكون هناك جماعات تتصف بالعقيدة الإسلامية الصحيحة والالتزام بها، فإن المملكة تدعمها في كل بقاع الأرض ما عدا الجماعات التي تسيء إلى أوطانها من خلال اللجوء إلى العنف، والمملكة تريد أن تكون الجماعات الإسلامية عناصر بناءة للخير في مجتمعاتهم وتسعى وتعمل في ميادين الحق والسلام، والعمل لأهداف البناء وليس للإرهاب والعنف .
كيف يتم اختيار الشخصيات القادمة للحج على نفقة الملك عبد الله، والتي أُعلن أنها ألف وثلاثمائة حاج؟
الحمد لله رب العالمين، هذا البرنامج منظم بأوامر توضح كيفية اختيار الشخصيات التي تأتي للبرنامج، وهناك ثلاث فئات يشملها البرنامج، هي أولاً الشخصيات الإسلامية المؤثرة والمعتدلة من كل بلاد العالم، والمسلمون الجدد، وكذلك طلبة العلم الشرعي في بلاد الأقليات؛ لقناعة المملكة بأنه لا يثبِّت الأقليات في الدول غير الإسلامية إلا العلم الشرعي عندما ينتشر بشكل صحيح، ويحافظ على الأقليات في الدول غير الإسلامية، ويحفظها من الذوبان وفقدان هويتها الإسلامية
هل هناك خطط للوزارة أو برامج لتطوير هذه الأعمال حتى تصبح فعلاً نواة لنخبة تمثل العالم الإسلامي؟
نحن في كل سنة بعد نهاية كل برنامج ندرس السلبيات التي وقعت، ونحاول أن نتلافاها، ونتلقى اقتراحات لتطوير البرنامج، ونعمل على تطوير البرنامج في كل عام أو دمج برامج قديمة ببعض، هذا من الناحية العلمية والفقهية والشرعية، وأيضًا هناك ناحية الخدمات التي تشمل السكن والنقل الجوي، وما إلى ذلك من الأمور التي تستغرق جزءًا من البرنامج.
المساحة الثقافية في برنامج خادم الحرمين الشريفين
ما هي المساحة المتاحة للبرامج الثقافية في البرنامج؟
الحمد لله رب العالمين هناك برنامج نسميه البرنامج العلمي؛ حيث يقوم دعاة الوزارة الموجودون في البرنامج بتنظيم دروس القرآن الكريم والتفسير والعقيدة، وكذلك هناك برامج ثقافية تتضمن مسابقات وجوائز توزع على المتسابقين والمشاركين، وهناك برامج فكرية؛ فقد عُقدت ندوة بعنوان «دور أوروبا الشرقية في نهضة المسلمين» شارك فيها عدد من أبناء أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى عدد من الأكاديميين من أبناء المملكة العربية السعودية.
مجلة التوحيد من أفضل المجلات في العالم
فضيلة الشيخ، أنتم من المتابعين لمجلة التوحيد، هل من كلمة توجهونها للقائمين على هذه المجلة؟
مجلة التوحيد أنا تشرفت بأن أهدوني الأعداد القديمة كلها في مجلدات، ويصلني العدد الشهري منها في كل شهر، وأنا أتابع هذه المجلة، وهي مجلة ملتزمة بالأصول الشرعية في الدعوة إلى الله، وفي الحوار مع الجماعات الأخرى، وتسعى لنشر العلم الشرعي القائم على الأصول الصحيحة من القرآن والسنة، وأنا أجدها مجلة من أفضل المجلات، وأتمنى لهم دائمًا التوفيق والسداد
مع الجهود الملموسة والمباركة التي تبذلها وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والأوقاف، فهل للوزارة أن تتبنى الدعوة للمؤتمرات ومساندة الإعلام الإسلامي المقروء، وخاصة المجلات الإسلامية، وعقد مؤتمرات لتوحيد هذه المطبوعات، وتوجيهها للاهتمام بقضايا العالم الإسلامي؟
هناك مؤسسات قائمة ومهتمة بهذا الشأن، وهناك جهات معنية تضطلع بهذا الدور، لعل آخرها الهيئة العالمية للإعلام التابعة لرابطة العالم الإسلامي، وإن كانت لا تزال في طور التأسيس، لكن نأمل منها الكثير إذًا هناك تعاون بين المؤسسات الإعلامية الرسمية في العالم الإسلامي، من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن بالفعل نحن نحتاج إلى لقاءات تخصصية، وبالذات مع القطاع الخاص والجمعيات الأهلية التي ترعى وسائل الإعلام، حتى تكون هناك جهة مسئولة عن متابعة تنفيذ القرارات عقب كل مؤتمر