الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
فقد تحدثنا في العدد السابق عن أحكام الضيافة وآداب الضيافة، ونكمل تلك الآداب
من الآداب أنه لا بأس بتنوع الطعام لأجل الضيف
ما يدل على إكرام الضيف إتحافه بأطيب ما يحب من أنواع الطعام، يدل على ذلك ما قام به أبو الهيثم بن التيهان، من أنه أمر لهم بشعير يُعمل، وقام فذبح شاة، وجعل قِرًى لهم، واستعذب لهم ماء فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال خرج رسول الله ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا الجوع يا رسول الله، قال «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما».
قال «قوموا» فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتهم المرأة، قالت مرحبًا وأهلاً، فقال لها رسول الله «أين فلان؟» قالت ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله وصاحبيه، فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني، قال فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسر وتمر ورطب حتى ينتقي الضيف ما يشاء ، فقال كلوا من هذه حتى يسكن الجوع، ريثما تذبح الذبيحة وتطبخ، وهذا من حسن الضيافة أن يسِّكن جوع الضيف بشيء إذا كان الطعام سيتأخر ، وأخذ المدية فقال «إياك والحلوب» أي لا تذبح ذات در تُرضع أولادها وتنتفعون من حليبها ولبنها ، فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله لأبي بكر وعمر «والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» مسلم.
هؤلاء أعظم ثلاثة في الأمة، خرجوا من بيوتهم وما أخرجهم إلا الجوع، وهذا رسول الله ، والخليفة الأول والثاني أخرجهم الجوع من البيت.
وقد كانت عائشة رضي الله عنها تقول «ليس من السرف التبسط للضيف في الطعام» وكان التنوع في الألوان لأجل الإكرام؛ حتى إذا لم يعجبه نوعٌ أعجبه نوع آخر.
وكان ميمون بن مهران رحمه الله يقول من أطعم ولم يتمر أي ولم يطعم الضيف تمرًا أو شيئًا حلوًا كان كمن صلى العشاء ولم يوتر.
وينبغي إذا حضر من دُعي، وأحضر الطعام ألا يُنتظر من غاب إلا لضرورة، ولذلك قيل ثلاثة تضني
أ سراج لا يضيء
ب ورسول بطيء
جـ ومائدة يُنتظر لها من يجيء
وتأمل ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ مَرَّةً « مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ»، أَوْ كَمَا قَالَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ، فَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلاَثَةٍ، قَالَ فَهُوَ أَنَا، وَأَبِي وَأُمِّي، وَلاَ أَدْرِي، هَلْ قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ ؟ قَالَ أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ ؟ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ، قَالَ فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، وقَالَ يَا عُنتَرُ أَوْ يَا غنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ كُلُوا لاَ هَنِيًّا، وَقَالَ وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا، قَالَ وَحَلَفَ الضَّيْفُ أَنْ لاَ يَطْعَمَهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، قَالَ فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ، قَالَ فَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالَ حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا قَالَتْ لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مِرَارٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ أحمد واللفظ له والبخاري
فيؤخذ من هذا الحديث عدة أمور منها
أ- جواز الاشتغال عن الضيف بمصلحة المسلمين، مثل ما فعل الصديق، إذا كان هناك من يقوم بإكرامهم مثل ولده
ب- فيه السمر بعد العشاء مع الضيف والأهل، وقد ترجم البخاري باب السمر مع الضيف والأهل
ج- فيه جواز قول الضيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل، وإنما امتنع أضياف الصديق عن الأكل من الطعام؛ لأنهم ظنوا أن الطعام ربما ينتهي دون أبي بكر
قال الإمام النووي هذا الحديث فيه كرامة ظاهرة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه
د- قال وفيه أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فعل ذلك وكفَّر عن يمينه، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة
هـ- وظن الصديق أن عبد الرحمن فرط في حق الأضياف ولذلك عنَّفه، وقال عليه كلامًا غليظًا وعنثر معناها الثقيل، وقيل الجاهل، وقيل السفيه، وقيل اللئيم، وقيل ذباب أزرق، والسب هو الشتم
و- فيه الاختباء خوف الأذى
ز- الصِّدِّيق مع مكانته وفضله رجَّاع إلى الحق، وقال هذه من الشيطان وأكل، وما أخَّره عن ضيوفه إلا أنه كان مع النبي ، ولذلك أكرم الصديق بكرامات الأولياء حتى إنه يقول كلما رفعوا لقمة إلا ربا مكانها أكثر منها
ينبغي للمضيف أن يسهر مع أضيافه.
فيؤانسهم بلذيذ المحادثة؛ ليستميل قلوبهم بالبذل لهم من أخبار الصالحين ونحو ذلك، ولا ينام قبلهم، ولا يشكو الزمان بحضورهم.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية والمنح المرعية ويستحب لصاحب الطعام أن يباسط إخوانه بالحديث الطيب، والحكايات التي تليق بالحال إذا كانوا منقبضين.
قال الإمام أحمد يأكل بالسرور مع إخوانه، وبالإيثار مع الفقراء، وبالمروءة مع أبناء الدنيا
وقال المأمون سبعة أشياء لا تُمَلّ أكل خبز البر، وشرب ماء العنب، وأكل لحم الضأن، والثوب اللين، والرائحة الطيبة، والفراش الوطيء، والنظر إلى كل شيء حَسن.
فقال له الحسن بن سهل فأين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين؟ قال هُنَّ ثمانٍ وهي أولاهن ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب، ومع الفقراء بالإيثار، ومع إخوانه بالانبساط، ومع العلماء بالتعلم والاتباع
من آداب المضيِّف أن يتفقد دَابة ضيفه ويكرمها قبل إكرام الضيف.
ينبغي أن يُري أضيافه مكان الخلاء أو الحمام
وينبغي الاهتمام بالضيوف، خاصة طلبة العلم منهم
الاهتمام بالضيوف الذين جاءوا من أجل الدين، مثل أهل الصفة على عهد رسول الله ، ولذلك لما جاء رسول الله لَبَنٌ، قال لأبي هريرة رضي الله عنه «الحق بأهل الصفة فادعهم لي» قال وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، ولا إلى أحد فكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا البخاري.
وقد جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم إكرام أهل العلم وطلابه إذا جاءوا ضيوفًا
قال مالك بن خزيمة كنت جالسًا مع الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه بأرض العتيق، فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب، فنزلوا عنده أي ليأخذوا عنه حديث النبي قال أبو هريرة لشخص عنده اذهب إلى أمي فقل لها إنَّ ابنك يقرئك السلام، ويقول لك أطعمينا شيئًا قال فوضعت له ثلاثة أقراص في صحفة، وشيئًا من زيت وملح، ثم وضعتها على رأسي وحملتها إليهم، فلما وضعتها بين أيديهم كبَّر أبو هريرة، وقال الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودان «التمر والماء»، فلم يصب القوم من الطعام شيئًا، فلما انصرفوا قال يا ابن أخي، أحسن إلى عمتك وامسح الرغام عنها.
وهذا يحتمل أنهم قصدوا أبا هريرة للتعلم منه، وللأخذ عنه، وإحضار أبي هريرة للطعام المتيسر عنده من باب إكرام الضيف، وكبر على معنى الذكر لله والشكر له على ما نقله من حال المجاعة إلى هذا الحال من الخصب والكثرة، حتى وجد عنده خبزٌ وإدام، دون استعداد ولا تأهب.
الخروج مع الضيف إلى باب المنزل
فهذا من تمام الأدب، وينبغي السير معه قليلاً حتى يركب دابته أو سيارته، وذلك للاستئناس
ذكر ابن عبد البر، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إنَّ من السنة إذا دعوت أحدًا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج.
وهذا الأدب يسمى في عرف العلماء بـ «تشييع الضيف»
قال في المصباح المنير، في فصل الشين مع الياء شيعت الضيف خرجت معه عند رحيله إكرامًا له وهو التوديع
فيُندب للإنسان أن يشيع ضيفه، ويخرج معه إلى باب الدار وإلى السيارة ويفتح له الباب ليركب، أو يأخذ بزمام الراحلة، إذا كان عنده راحلة ويودعه، هذا من تمام الضيافة .
روى أبو بكر بن أبي الدنيا قال قال أبو عبيد القاسم بن سلام زرت أحمد بن حنبل، فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني، وأجلسني في صدر مجلسه، فقلت يا أبا عبد الله، أليس يقال صاحب البيت والمجلس أحق بصدر بيته، أو مجلسه ؟ قال نعم يَقْعُد ويُقْعِد مَنْ، قال قلت في نفسي خذ يا أبا عبيد فائدة.
ثم قلت يا أبا عبد الله، لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال لا تقل ذلك فإن لي إخوانًا ما ألقاهم في كل سنة إلا مرة أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، قلت هذه أخرى يا أبا عبيد، فلما أردت القيام قام معي قلت لا تفعل يا أبا عبد الله، قال قال الشعبي من تمام زيارة الزائر، أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، قال قلت في نفسي يا أبا عبد الله ؟ مَنْ عن الشعبيِّ ؟ قال ابن زائدة عن مجاهدٍ عن الشعبي.
قال قلت في نفسي يا أبا عبيد، هذه ثالثة انظر الآداب الشرعية لابن مفلح
فإذًا تشييعه والخروج معه من تمام الضيافة
الضيافة فيها ضيف ومُضيِّف، هذه آداب المُضيِّف، فما هي آداب الضيف ؟ هذا ما سنتناوله في العدد القادم إن شاء الله، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والقبول، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد وعلى ذريته وآل بيته، وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين.