الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
فما يزال الحديث موصولاً عمن تكون إمامته على خلاف الأوْلى، ونتحدث بمشيئة الله تعالى عن
إمامة القاعد للقائم
أولاً حكم إمامة القاعد المعذور للقائم الصحيح
اتفق العلماء على أن للصحيح أن يصلي النافلة قائمًا وقاعدًا، بعذر وبغير عذر، كما اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلي الفريضة قاعدًا بغير عذر، سواء كان منفردًا، أو إمامًا؛ لقوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ البقرة
واختلفوا في حكم إمامة القاعد للقائم على قولين
الأول صحة إمامة القاعد المعذور للقائم الصحيح
فيجوز للقاعد أن يؤم القائم، وممن قال بهذا أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك في إحدى روايتيه
دليله
عن عائشة رضي الله عنها قالت لما ثقل رسول الله جاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فقال مروا أبا بكر يصلي بالناس فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، أي رقيق القلب، ويؤيده ما جاء في رواية أخرى قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء وإنه متى يقم مقامك لم يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، قال إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفةً، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، أي يعتمد على الرجلين متمايلاً في مشيه من شدة الضعف، ولم يكن يقدر على تمكين رجليه من الأرض فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ، فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله يصلي قاعدًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله والناس مقتدون بصلاة أبي بكر، رضي الله عنه البخاري ، ومسلم
والمراد بقوله «إنكن لأنتن صواحب يوسف» أي أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، قال ابن حجر في الفتح «ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحد، وهي عائشة فقط، كما أن «صواحب» صيغة جمع والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها؛ كونه لا يُسمع المأمومين القراءةَ لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرحت هي فيما بعد ذلك؛ فقالت لقد راجعته، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أنه يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا البخاري ، ومسلم » اهـ
الثاني عدم صحة إمامة القاعد المعذور للقائم الصحيح
وهو مروي عن مالك في إحدى الروايتين عن الوليد بن مسلم، فقد روى عنه أنهم يعيدون الصلاة في الوقت، وروى ابن القاسم أنه لا تجوز إمامة القاعد، وأنهم إن صلوا خلفه قيامًا أو قعودًا بطلت صلاتهم، وهو قول محمد بن الحسن أيضًا
ودليله
عن جابر الجعفي عن الشعبي عن النبي قال «لا يُؤمَّن أحد بعدي جالسًا» أخرجه الدارقطني والبيهقي وهو ضعيف
لأن القيام ركن فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان
مناقشة الأدلة
اعترض أصحاب الرأي الأول على أدلة الرأي الثاني بالآتي
بأن حديث «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا» حديث ضعيف، فجابر الجعفي متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة، قال الشافعي «قد علم الذي احتج بهذا أن ليست فيه حجة، وأنه لا يثبت لأنه مرسل؛ ولأنه عن رجل يرغب الناس عن الرواية عنه» اهـ
استدلالهم بالقياس على سائر الأركان مردود عليه بفعله ؛ حيث صلى إمامًا قاعدًا، وقد قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» البخاري
اعترض أصحاب الرأي الثاني على أدلة الرأي الأول بما يلي
بأن صلاته إمامًا قاعدًا خاص به ، ومما يدل على الخصوصية ما يلي
أ بأنه لا يصح التقدم بين يديه؛ لنهي الله تعالى عن ذلك؛ حيث قال تعالى لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الحجرات
ب لأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له، ولا يشكل عليه بصلاته خلف أبي بكر؛ لأن محل المنع إذا أمَّه هو، أما إذا أمَّ غيره وجاء وأبقاه فلا منع
جـ نقل ابن العربي عن بعض الأشياخ أن الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي والتبرك به، وعدم الإعراض عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس ذلك لغيره ذكره الزرقاني في شرحه على الموطأ
د لأن صلاة النبي قاعدًا أفضل من صلاة غيره قائمًا
هـ أن الخلفاء الراشدين لم يفعل ذلك أحد منهم، فلم يثبت عنهم رضي الله عنهم أن صلوا بالناس قعودًا
و بأن حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» عام، وما ثبت في الأحاديث التي استدلوا بها خاص بالنبي
الرأي الراجح
هو الرأي الأول القائل بصحة إمامة القاعد المعذور للقائم الصحيح؛ وذلك لقوة أدلته، ولضعف حديث جابر الجعفي، ولأن دعوى الخصوصية منقوص بأمره بالائتمام بالأئمة «وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون» وقوله «وإذا صلى جالسًا »، إلا أن إمامة القاعد للقائم على خلاف الأولى
قال النووي في المجموع قال الشافعي والأصحاب يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائمًا، كما استخلف النبي ؛ ولأن فيه خروجًا على خلاف من منع الاقتداء بالقاعد، ولأن القائم أكمل وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة، واعترض بعض الناس على الشافعي؛ حيث قال يستحب له الاستخلاف، مع أن النبي أمَّ قاعدًا، وأجاب الأصحاب بجوابين أحدهما أن النبي فعل الأمرين، وكان الاستخلاف أكثر فدلَّ على فضيلته، وأمَّ قاعدًا في بعض الصلوات لبيان الجواز
الجواب الثاني أن الصلاة خلفه قاعدًا أفضل منها خلف غيره قائمًا بدرجات بخلاف غيره اهـ
وقال ابن قدامة في المغني «المستحب للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته فيُخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيُستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة» اهـ
ثانيًا شرطا إمامة القاعد المعذور للقائم الصحيح
قال ابن قدامة في المغني «ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين أحدهما أن يكون إمام الحي، نص عليه أحمد، فقال ذلك لإمام الحي؛ لأنه لا حاجة بهم إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب، فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة، والنبي حيث فعل ذلك كان هو الإمام الراتب»
الثاني أن يكون مرضه يرجى زواله؛ لأن اتخاذ الزَّمِن ومن لا تُرجى قدرته على القيام إمامًا راتبًا يُفضي إلى تركهم القيام على الدوام، ولا حاجة إليه؛ ولأن الأصل في هذا فعلُ النبي ، والنبي كان يُرجى برؤه اهـ
ثالثًا حكم إمامة العاجز عن القيام لمثله
يجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله؛ لأنه إذا أمَّ القادرين على القيام فمثله أولى، ولا يُشترط في اقتدائهم به أن يكون إمامًا راتبًا، ولا أن يكون مرضه يرجى برؤه؛ لأنه ليس في إمامته لهم ترك ركن مقدور عليه، بخلاف إمامته للقادرين على القيام
رابعًا حكم إمامة تارك ركن من الأفعال
اختلف الفقهاء في حكم إمامة من ترك ركنًا من الأفعال؛ كالمضطجع، والعاجز عن الركوع والسجود على قولين
الأول يرى عدم جواز إمامته لأحد، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثاني يجوز، وهو قول الشافعي
أدلتهم دليل القول الأول أنه أخلَّ بركن لا يسقط في النافلة، فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأميّ، وحكم القيام حق بدليل سقوطه في النافلة، وعن المقتدين بالعاجز
ب ولأن النبي أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف في أن المصلي خلف المضطجع لا يضطجع
دليل القول الثاني لأنه فعلٌ أجازه المرض فلم يغيِّر حكم الائتمام كالقاعد بالقائم
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى