سورة يسرؤية المؤمنين ربهم يوم القيامةالتقوى زادك إلى الجنةالربا فى الفقة الإسلامىواحة التوحيدأسباب الغفلةصفة الجنة و نعيم أهلهاالحلقة الرابعةإعلام المصلين والولاة بمن يقدمونه لإمامة الصلاةالقدوة الحسنةالعلامة الشيخ عبد الرازق عفيفى رحمه الله - معالم منهجه الأصوليقصة إيهام الناس ببقاء الخضر وإلياسالحلقة الأخيرةضرب النساءاصحاب النبى صلى الله عليه وسلممشروع تيسير حفظ السنة من صحيح الاحاديث القصارأثر السياق فى فهم النصحوار التوحيد مع وكيل وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف بالسعودية في هذا العدد
94 رقم العدد :
23/01/2010 تاريخ العدد :
متابعات
البحث في المجلة
بريد المجلة
المجلة
رئيس التحرير
التوزيع والاشتراكات
موقع المركز العام
متابعات
عيسى عليه السلام
الحلقة الثالثة

مولده عليه السلام

إعداد: عبد الرازق السيد عيد

الحمد لله ذي الحكمة البالغة والقدرة المقتدرة، والصلاة والسلام على نبيه الخاتم، وعلى آله وأصحابه المتقين البررة، أما بعد
فيا أيها الأخ المبارك انتهينا معك في اللقاء السابق من ذكر قصة ولادة عيسى عليه السلام، وكيف صاحبت عناية الله مريم، ورأينا كيف كانت الملائكة تحوطها في حلِّها وترحالها، وكيف كان روح القدس جبريل عليه السلام يخاطبها، ولما عادت إلى قومها فاتهموها أنطق الله عيسى، وهو في المهد، بكلمات من نور تعلن عبوديته لله رب العالمين، وتبشِّر برسالته ودعوته التي سيرحم الله بها من اتبعه، وتعلن براءة أمِّه مريم مما نسبه اليهود إليها كذبًا وبهتانًا
واليوم أخي الكريم نقف وقفة نتأمل فيها هذه القصة العظيمة من خلال تعقيب القرآن الكريم عليها، فما أحسن كلام الله وما أعظمه، قال تعالى: "ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" مريم.

والكلام هُنَا موجَّه إلى النبيِّ محمد ، وإلى أمِّته يخبرهم فيه الخبر الحق عن عيسى ابن مريم، الذي تكلم بهذا الكلام في المهد، وقد سجَّله الله قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين، يُعلن للناس الحقيقة في عيسى ابن مريم وأمِّه، تلك الحقيقة التي اختلف فيها اليهود الذين سمعوا وشاهدوا، والنصارى الذين جاءوا من بعدهم وأخبرهم بأصل الدِّين الذي جئتَ به، والذي جاء به عيسى، وأعلنه وهو في المهد، وعاش عليه، ومات عليه، وسيُبعث عليه، وهو الذي جاء به موسى وإبراهيم ونوح، وكل نبي، وهو المتمثل في قوله تعالى: "وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" مريم.

فمن أراد الله به خيرًا وفَّقه إلى ذلك الأمر من التوحيد والعبادة الصحيحة، وهو مع الأسف ما اختلف فيه أهل الكتاب من قبلنا، وقد أخبرنا الله بذلك بعد هذه الآية مباشرة؛ فقال تعالى: "فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ" مريم ، أي فاختلفت الفِرَق من أهل الكتاب في شأن عيسى، فاليهود قالوا إنه ساحر، وقالوا إنه ابن يوسف النجار والنصارى اختلفت فِرَقهم فيه فقالت النسطورية هو ابن الله وقالت الملكية هو ثالث ثلاثة وقالت اليعقوبية هو الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذا الذي قال به هؤلاء هو الكفر بعينه؛ لذا قال الله تعالى معقِّبًا على اختلافهم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، نعوذ بالله من الضلال وأهله، ومن الاختلاف الذي يؤدي بأهله إلى الكفر أو ما دونه .
وسنحاول بعون الله فيما يلي أن نبين رواية الأناجيل واختلاف بعضها مع بعض من جانب، ورواية القرآن الكريم كلام رب العالمين من جانب آخر.

أولاً وصف مولد عيسى في الإنجيل

أخي الكريم رأيت تلك الصورة المشرقة لميلاد عيسى ابن مريم عليه السلام، وكيف أحاطت عناية الله سبحانه بأمه منذ مولدها حتى وضعت عيسى، وبعد وضعه وفي أثناء النفاس، وكيف أجرى الله لمريم نهرًا يجري الماء فيه صافيًا، وأنزل عليها رطبًا جنيًّا، وأنطق عيسى في المهد ليعلن براءتها وشرفها، فباسم الله حملت، وباسمه سبحانه وضعت، وبإذنه تعالى نطق عيسى في المهد مدافعًا عنها، هذه الصورة الكريمة العزيزة التي رأيناها في القرآن لا تظهر أكثر إلا إذا رأينا ضدها في الإنجيل، فماذا قالت الأناجيل عن ميلاد عيسى عليه السلام؟

أ- قال إنجيل متى «وهذه سيرة ميلاد يسوع المسيح كانت أمه مريم مخطوبة ليوسف، فتبين قبل أن تسكن معه أنها حبلى من روح القدس، وكان يوسف رجلاً صالحًا، فما أراد أن يكشف أمرها، فعزم على أن يتركها سرًّا، وبينما هو يفكر في هذا الأمر ظهر له ملاك الرب، وقال له «يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك، فهي حبلى من روح القدس، وستلد ابنًا تسميه يسوع ؛ لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم» ثم قال «فلما قام يوسف من النوم عمل بما أمره ملاك الرب، فجاء بامرأته إلى بيته، ولكنه ما عرفها حتى ولدت ابنها فسماه يسوع» متى .

ب - وفي إنجيل لوقا «وفي تلك الأيام أمر القيصر أوغسطس بإحصاء سكان الإمبراطورية» ثم قال «وصعد يوسف من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى بيت لحم مدينة داود؛ لأنه كان من بيت داود وعشيرته؛ ليكتتب مع مريم خطيبته، وكانت حبلى، وبينما هما في بيت لحم، جاء وقتها لتلد فولدت ابنها البكر وقمطته أي شدته برباط ، وأضجعته في مذود؛ لأنه كان لا محل لهما في الفندق».

ج- ونعود إلى متى ليقول لنا «ولما وُلد يسوع في بيت لحم اليهودية على عهد الملك هيرودس جاء إلى أورشليم مجوس أي علماء فلك من بابل من المشرق، وقالوا أين المولود ملك اليهود؟ رأينا نجمه في المشرق فجئنا لنسجد له».

ثم نعود إلى متى

قال تحت عنوان الهروب إلى مصر «وبعدما انصرف المجوس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحُلْم وقال له قم، خذ الطفل وأمَّه، واهرب إلى مصر، وأقم فيها حتى أقول لك متى تعود؛ لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله»، فقام يوسف وأخذ الطفل وأمه ليلاً، ورحل إلى مصر فأقام فيها إلى أن مات هيرودس؛ ليتم ما قال الرب بلسان النبي «من مصر دعوت ابني» متى.

ثانيًا نلاحظ من روايات الأناجيل ما يلي

أنه بالمقارنة بين رواية متى ورواية لوقا لميلاد المسيح في الجزء الثاني من كليهما بعد قراءة النصين كاملين؛ لأنني نقلت الروايات مختصرة خشية الإطالة نلاحظ ما يلي:
يُفهم من رواية متى أن يوسف النجار ومريم هربا بالمسيح إلى مصر بعد ولادة المسيح؛ لأن هيرودس كان يريد قتل المسيح
بينما يشير لوقا إلى عكس ذلك تمامًا؛ فقد ذكر لوقا أن مريم والمسيح ويوسف النجار لم يغادروا أرض فلسطين، وكانوا يترددون ما بين الناصرة وبيت لحم وبيت المقدس، ولم يذهبوا إلى مصر.
ومن رواية متى يُعلم أن أهل أورشليم وهيرودس كانوا معاندين للمسيح
ومن رواية لوقا وكلامه نفهم أيضًا أنه لم تكن عداوة ألبتة بين أهل أورشليم والمسيح، ولا بين هيرودس والمسيح، بل كان الجميع يرحب به، وقد ذكر لوقا قصة الرجل الصالح سمعان الممتلئ بروح القدس، والذي جاءته نبوءة أنه لن يموت قبل أن يرى المسيح، وقد حمله بين ذراعيه وفرح به، وأخبر الناس عنه حين كان المسيح مع أمه ويوسف النجار في إحدى زياراتهم لبيت المقدس، فلو كان أهل أورشليم وهيردوس معاندين للمسيح لما استطاع ذاك الرجل الصالح أن يخبر بالمسيح وأورشليم دار السلطة والحكم لهيرودس.

ثالثًا وإذا حاولنا أن نقارن بين رواية القرآن والأناجيل نلاحظ ما يلي

لم تُشرِ الأناجيل من قريب ولا من بعيد إلى كلام عيسى في المهد، وهو عمدة في الموضوع، ففيه براءة مريم مما نسبه اليهود إليها، وفيه إثبات عبوديته لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وفيه إثبات نبوته ورسالته ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.
خلو الأناجيل من الإشارة إلى هذا الحدث مع ظهوره وشيوعه يدل على أن أصابع اليهود ومن وافقهم من الضالين كانت وراء ذلك .
ولو كان عيسى لم يتكلم في المهد لسارعوا بإقامة حدِّ الزنا على مريم، وخصوصًا أنهم كانوا يتمنون ذلك، وهم أصحاب السلطة والقرار، وفي أيديهم التوراة فيها حكم الله، لكن والله أعلم ما منعهم من ذلك إلا هذه المعجزة الباهرة، وهي كلام عيسى في المهد، والذي سجَّله القرآن بأحرف من نور ليحق الله الحق ويبطل الباطل
رواية القرآن ترتفع بمريم ووليدها الكريم إلى درجات عالية من السمو والتكريم، فهما في صحبة الملائكة في كل وقت، وفوق الجميع ولاية ورعاية الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

في رواية الأناجيل نرى عيسى المسيح وقد وُلد في حظيرة للحيوانات، ووُضع في مذود لطعام الأغنام
أين ذلك من صحبة ملائكة الرحمن، ومن النهر الذي أجراه الله تحت قدمي مريم أثناء الولادة، ومن الرطب الجنيِّ الذي تساقط عليها كالمطر؟ قال الله فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فطعام وشراب وطمأنينة برعاية رب العالمين
لم يشر القرآن الكريم لا من قريب ولا من بعيد إلى يوسف النجار، ولم يرد ذكره في أحاديث رسول الله الصحيحة، ولم يذكر عداوة هيردوس لعيسى المسيح، ولم تأتِ إشارة إلى رحلته إلى مصر لا في القرآن ولا السنة
وفي ختام هذه الوقفة قد يطرح البعض سؤالاً لماذا خلق الله سبحانه عيسى من غير أب؟

نجيب إجابة مختصرة عن ذلك بأن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك فتنة واختبارًا؛ أخفق فيه وضلَّ من لا يؤمن بقدرته ومشيئته، وأنه سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، وهدَى الله فيه المؤمنين إلى الحق؛ لأنهم يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، يخلق ما يشاء ويختار، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون هذا ومن أراد التوسع في ذلك فليراجع مثلاً كتاب محاضرات في النصرانية للشيخ محمد أبي زهرة، رحمه الله، أو لكتب التفاسير وكتب التاريخ والسير.
اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، وإلى لقاء أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.


لطباعة المقال لإرسال المقال لصديق